مذكرات الإمام المخطوف - الحلقة الثانية
أسرتي لم تملك أراضي أو عقارات ولم تر العملات الأجنبيـــة إلا في الأفلام والمسلسلات الأمريكية
أسرتي من بيئة متوسطة الحال ضمن من كان يطلق عليهم - سابقا - الطبقة المتوسطة، قبل أن تختفي هذه الطبقة وتصبح أنشودة يتغني ويتسامر بها البؤساء.
لم نملك أراضي أو عقارات، ولا حسابات في البنوك والشركات، ولم نر أشكال العملات الأجنبية إلا في الأفلام والمسلسلات الأمريكية، ولم نكن من سليلي عائلات الهلافيت أصحاب الذمم الخربة، والوجوه الكشرة، والسحن العكرة والقلوب القاسية الذين أثروا مع الانفتاح فأصبحوا كأنهم خلقوا من طينة غير طينة بني الإنسان، يمتلكون الصولجان والجواري والغلمان، كنا نأكل في بعض الأحيان علي طبلية من الخشب، وفي أحيان أخري علي سفرة طعام، إيجار شقتنا لم يكن يزيد علي جنيهين في كل شهر، ورغم ذلك كانت شقة فسيحة يمكن للخيل أن تجري فيها كما يقولون في الأمثال، وتساوي مساحتها مساحة ثلاث شقق من شقق عمارات هذه الأيام، صحيح أن العمارة كانت قديمة ومتهالكة، إذ يرجع تاريخ بنائها إلي بدايات القرن الماضي وعلي وجه الدقة عام (1930)..
تقع في منطقة محرم بك الشعبية المعروفة بالإسكندرية، وعندما دخلها بعض الصحفيين الأمريكان في عام 2005 لزيارة أسرتي وقت أن كنت معتقلاً في سجون مصر كانوا يخافون أن تقع العمارة علي رؤوسهم، فلم يكتفوا بالزيارة وصوروا العمارة ووضعوها في صدر إحدي صحف الأمريكان.
بيانات بطاقتي الشخصية تشير إلي أن اسمي بالكامل هو أسامة مصطفي حسن نصر.. من مواليد مارس 1963.
أبي مصطفي حسن نصر، كان موظفاً في الحكومة، وبالتحديد في نيابة الأحوال الشخصية بالإسكندرية تعود أصوله إلي صعيد مصر، حيث إن أباه - أو جدي حسن نصر - كان من المنيا علي حسب ما سمعت، وعندما نزح إلي الإسكندرية في بدايات القرن الماضي انضم لحزب الوفد بالإسكندرية أيام سعد باشا زغلول، ومصطفي باشا النحاس ومن شدة حبه وتعلقه بالوفد صمم جدي علي أن يسمي ابنه الذي هو أبي علي اسم مصطفي باشا النحاس زعيم حزب الوفد آنذاك لكن موظف السجل المدني الذي كان أحد أعضاء الحزب السعدي المعارض للوفد رفض تسجيل أبي بهذا الاسم بحجة أنه مركب من اسمين، ولابد من الخيار بين اسم واحد إما مصطفي، وإما النحاس، فاختار جدي اسم مصطفي لابنه، وعندما كبر مصطفي وصار شابا بدأ يكتب في بعض الصحف المصرية، ثم ترك الكتابة بعد زواجه من أمي، وانشغاله بأعباء الأسرة، وكان راتبه هزيلاً محدوداً، يسهل عده في لمح البصر، وسارت حياته كحياة كل موظف يسرح بخياله في العلاوة والترقية والدرجة والمكافأة..
أيامه مكررة ليس لها نهاية إلا الخروج علي المعاش وقد حدث، لم يجلس يوماً علي مقهي، ولم يسهر خارج بيته سهرة، أفني شبابه وعمره في تراب الميري (وظيفته الحكومية) وفي آخر سنوات عمره ساءت حالته، وضعف بصره، واعتلت صحته، وخارت قواه، وأصبح قعيد البيت بعد أن فقد الذاكرة، كان همه الأول والأخير أن يزوج ابنته راوية وقد حدث، ويوظف أولاده الأربعة (حسن وراوية وأنا وهشام) وتم له ذلك مع ثلاثة، أما أنا فحدت عن طريق الوظيفة ولم أتمرغ في ترابها وسلكت طريقاً غير الذي تمناه لي أبي، ولا أدري لو كان حياً الآن.. أيفرح أم يبكي لرؤيتي في وسائل الإعلام؟!
أما الأم فاسمها: صافيناز عبدرب النبي حسن الليثي، ربة منزل كحال معظم المصريات في ذلك العصر.. كانت تملك محلاً تجارياً تعمل فيه بعض الأوقات لزيادة دخل الأسرة التي تتكون من أربعة أبناء..
عانت في تربيتنا أشد المعاناة كحال كل نساء هذا الجيل، فأعمارنا متقاربة، فكانت تغسل وتكنس وتنظف وتطهو الطعام وتتولي تربيتنا ومع ضيق سبل الحياة اضطرت لبيع ما تملكه من حُلي وذهب لإشباع تطلعات أفراد الأسرة الراغبة في محاكاة أولاد الذوات، حتي إذا كبر سنها، ولان عظمها، وبدأت ترتاح فأولادها كبروا وتوظفوا، وتزوجوا، أصيب زوجها بمرض عُضال فلم تتخل عنه حتي توفاه الله تعالي، ولم تكد تفيق من صدمتها بوفاة زوجها وأبو أولادها حتي تعرضت لصدمة ثانية في أحد فلذات كبدها، حيث خطفوه من إيطاليا وعذبوه وسجنوه في مصر، وعلي الرغم من كبر سنها وانحناء ظهرها، وإصابتها بمرض السرطان وقطع أحد ثدييها، إلا أنها كانت تسرع الخطي لزيارتي كلما سمعت بوجودي في أحد أقسام الشرطة بمدينتنا «الإسكندرية» من أجل الظفر برؤيتي وتقبيلي وضمي إلي صدرها الحنون، ولم يكونوا يسمحون لها بالزيارة في أغلب الأحيان، بإيعاز من ضباط أمن الدولة بالإسكندرية وبتعليمات من جهاز أمن الدولة بالقاهرة، ثم ماتت - رحمها الله - حزناً وكمداً لما أصابني، ولن أنسي أن المسئولين بجهاز أمن الدولة - أسأل الله تبارك وتعالي أن يبتليهم بالأمراض وأن يريني فيهم يوماً أسود كيوم عاد وثمود - رفضوا السماح لي برؤيتها قبل دفنها وحضور جنازتها رغم تدخل قيادات إسلامية بارزة .
أكبر إخوتي اسمه حسن ويعمل رئيس قطاع في إحدي شركات الكيماويات المصرية، ومن الأشياء العجيبة واللافتة للنظر أن أخي هذا تزوج من فتاة معظم أفراد أسرتها يشغلون مراكز أمنية مهمة جداً، فعم زوجته مباشرة كان رئيس المخابرات المصرية في أواخر حكم عبد الناصر وبداية عهد السادات، وعمها الآخر كان مدير أمن محافظة بورسعيد وقت الحادثة الشهيرة التي جري فيها أحد الشباب البورسعيدي نحو سيارة الرئيس حسني مبارك حاملاً في يده شيئا، وأطلق حراس الرئيس النار عليه فأردوه قتيلاً، وقد تمت إقالته من منصبه بعد هذا الحادث مباشرة، أما عمها الثالث فكان يشغل منصباً عسكرياً كبيراً.
وإذا انتقلنا لأختي التي تليه في السن فإن اسمها راوية وأكبر مني بحوالي ثلاث سنين، تعمل في نيابة الإسكندرية، وقد رفضت العمل بالمحاماة بعد تخرجها في كلية الحقوق، ولا أعرف سبب ذلك.
أما أخي الأصغر أو آخر العنقود كما يقولون، فاسمه هشام، ويعمل كذلك في نيابة الإسكندرية، وقد تعرض لابتلاءات عديدة بعد هروبي خارج مصر عام 1989، حيث يقيم في شقة الوالد والوالدة، وكثيراً ما كانت جحافل القوات الخاصة، مصحوبة بالمدرعات وضباط أمن الدولة، تزور شقتنا كثيراً، وتحطم أثاثها، وفي إحدي المرات اعترض هشام علي هذا الإرهاب، فما كان من ضابط أمن الدولة (الدكر) إلا أن صوب فوهة مسدسه إلي رأسه. كانت أسرتي ومازالت وحتي بعد وفاة الوالد والوالدة - عليهما رحمة الله - مترابطة متماسكة ولله الحمد والمنة .
حياة الأكشن
ولدت بتقوس في الساقين وأهلي دفعوا دم قلبهم لعلاجي وعندما دخلت المدرسة أصبحت زعيما للفصل في المشاجراتفي المراهقة انعزلت عن زملائي وتفرغت للقراءة وعشقت كل ما هو غربي وأمريكي وكانت لي علاقات بريئة ببنات الحي حياتي كلها أكشن، أو بتعبير آخر عشت حياة درامية منذ أن تفتحت عيناي علي هذه الدنيا..
ولدت بتقوس في الساقين وأهلي دفعوا دم قلبهم لعلاجي وعندما دخلت المدرسة أصبحت زعيما للفصل في المشاجراتفي المراهقة انعزلت عن زملائي وتفرغت للقراءة وعشقت كل ما هو غربي وأمريكي وكانت لي علاقات بريئة ببنات الحي حياتي كلها أكشن، أو بتعبير آخر عشت حياة درامية منذ أن تفتحت عيناي علي هذه الدنيا..
البداية كانت مع المرض فقد وُلدت وأنا مصاب بتقوس شديد في الساقين وتعرضت لأمراض عديدة هددت حياتي وانا مازلت رضيعاً لكن الله هيأ لي أباً وأماً بذلا جل أوقاتهما وأموالهما في علاجي وتطبيبي حتي ذهب التقوس الموجود بقدمي، وشفاني الله تعالي من أمراضي وعللي.التحقت بالمدرسة الابتدائية، وكنت زعيم الفصل في كل سنوات المرحلة الابتدائية، أقود طلابه في المشاجرات والخناقات مع طلاب الفصول الأخري، وكانت أسلحتنا في ذلك الوقت تتكون من: حزام البنطال، والبرجل الذي يستخدم في مادة الرياضيات، والمساطر الخشبية وهي بالتأكيد أسلحة بدائية بالنسبة لأسلحة طلاب الوقت الحالي وأذكر أنني كنت ألعب الكرة الشراب في الشارع وعندما كبرت انتقلت لإحدي الساحات الشعبية المجاورة للمنزل.
كما أذكر أنني كنت أذهب لأحد المساجد القريبة من منزلنا التي يتولي بعض الشباب الجامعي القيام بأنشطة اجتماعية فيها.. كنت أصلي معهم، وكثيراً ما كنت أترك الصلاة في غيابهم، وفي إحدي المرات اختارني بعض الأساتذة في المسجد للاشتراك في مسرحية إسلامية تُعرض في المسجد، أمام حشد كبير من الجيران ورواد المسجد.. حفظت دوري جيداً، وقبل عرض المسرحية بحوالي ثلاثة أيام اختفيت وتركت المسجد، والمسرحية، والأساتذة دون أن أخبر أحداً ولا أدري ماذا حدث بعد تخلفي.
عندما وصلت إلي الصف الخامس الابتدائي أراد والدي أن آخذ السنتين الخامسة والسادسة في سنة واحدة، كما فعلت أختي راوية، ولكن إدارة المدرسة رفضت بسبب صغر سني وعلي الفور أرسل والدي رسالة إلي رئيس الجمهورية في ذلك الوقت الرئيس أنور السادات، وجاء الرد من رئاسة الجمهورية بالسماح بدخولي امتحان الصف السادس، ولكن للأسف الرسالة وصلت بعد مرور يوم من امتحان الصف السادس الابتدائي، ولم يكن يوجد وقتها ما يعرف بنظام الملاحق، فضاعت السنة علي..
ومرت حياتي عادية إلي أن دخلت مرحلة المراهقة، فاتخذت منحي العزلة عن أقراني وأصدقائي، واتجهت للقراءة، كنت أذهب إلي إحدي المكتبات العامة في الإسكندرية أذكر أن اسمها مكتبة البلدية، فأجلس الساعات الطوال منهمكاً في القراءة.. أقرأ في أي شيء وخاصة السياسة وبدأت أكتب في مواضيع تتعلق بالحياة العامة، أقرأ المقالات المنشورة في الصحف المصرية لمشاهير الكتاب في ذلك الوقت أمثال أحمد بهاء الدين، ومصطفي أمين، وجلال الدين الحمامصي وغيرهم، ثم أقوم بكتابة مقالات علي نفس شاكلة مقالاتهم، وبمرور الوقت بدأت أكتب دون الاستعانة بمقالات المشاهير، ثم أمزق ما كتبته بعد أن أحفظه جيدا إلا أن ذلك لم يمنع أن يكون لي بعض العلاقات العاطفية البريئة مع بنات الحي مثل كل الشباب في سني.
كنت في هذه المرحلة أحب الغرب الأوروبي وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، أحببتها حباً ملأ علي فؤادي وجوارحي، كنت أعشق كل ما هو غربي بصرف النظر عن حله وحرمته، تمنيت لو كان عندي المال الذي يحملني إلي جنة الغرب، كنت أحلم باليوم الذي تأخذني فيه أسرة أوروبية أو أمريكية معها إلي الغرب، ذهبت للقنصليات الأجنبية في الإسكندرية لعلي أجد منحة تعليمية، ولما يئست من امكانية السفر للغرب كرهت كل شيء، حتي دراستي كرهتها.
وانخرطت في صفوف حزب الوفد الجديد الذي أسسه فؤاد سراج الدين في السنوات الأخيرة من سبعينيات القرن الماضي وكنت وقتها في الصف الأول الثانوي، وكان لدي ولع شديد بقراءة الأدبيات الماركسية والشيوعية ومازلت أذكر جيدا مذكرات تشي جيفارا كأني انتهيت منها بالامس وربما يعود سبب انضمامي إلي الوفد بدلا من التجمع إلي الجذور الوفدية لعائلتي وتم إلحاقي بلجنة الفكر والدعوة بحزب الوفد، وكان يرأسها القبطان مدحت الهرميل، وكنا نصدر في ذلك الوقت صحيفة شباب الوفد التي كان يرأس تحريرها الأستاذ أيمن نور - فك الله أسره - واستمررت في عضوية الحزب لفترة، لكن حياة العزلة والانطواء وتمردي علي قيادات الحزب حالت دون وصولي لمراكز ومناصب شبابية رفيعة، شغلها شباب أقل إخلاصاً وكفاءة.
ومرت الأيام وإذا بانتخابات داخلية لأعضاء الحزب بالإسكندرية، وكان من ضمن المترشحين الأستاذ عادل عيد وآخرون، وفوجئت بماحدث بين أعضاء الوفد، فقد سمعت ما لم أسمعه في حياتي من قاموس السب والشتم ووصل الأمر إلي الضرب بالأيدي والأرجل والكراسي، صُدمت صدمة شديدة، وعلي الفور تقدمت بطلب استقالة من الحزب، كنت صغيراً وقتها ولم أتقبل أساليب الخداع السياسي والنزاعات والمصالح الشخصية التي تسيطر علي الأحزاب السياسية، جلس معي رئيس لجنة الفكر والدعوة ورئيس لجنة الحزب بالإسكندرية الأستاذ عادل عيد وحاول ومعه عدد من أعضاء الحزب إثنائي عن الاستقالة، أخبروني أن هذه أمور عارضة تحدث في كل الأحزاب، وقالوا:لا ينبغي أن تتسرع في تقديم الاستقالة فنحن نري أن لك مستقبلا سياسيا كبيراً ولكني تمسكت باستقالتي، وسافرت بعدها إلي القاهرة حيث التقيت الأستاذ الكبير مصطفي أمين، وقفت في طابور طويل مع أصحاب الشكاوي والطلبات والحاجات، وكان الأستاذ يسلم كل صباح علي الواقفين في الطابور ويتسلم طلباتهم بنفسه، فعرضت عليه بعض مقالاتي وكتاباتي، ولم أكن أتخيل أن الأستاذ مصطفي أمين بهذا الطول الفارع، ولذلك عندما عدت إلي الاسكندرية كتبت مقالاً عن هذه المقابلة بعنوان (العملاق والقزم).
كنت أريد أن أشبع رغبتي في أي نشاط، كعادة أي شاب في هذه المرحلة الحرجة .
من الوفـــد إلي الجمـــــــــــــــــــــــــــــــاعة الإســــــلامية
فزت برئاسة اتحاد الطلبة في الثانوي فخيرتني إدارة المدرسة بين اللحية ورئاسة الاتحاد فاخترت اللحية وغيرت المدرسةأبي منعني من صلاة الفجرفي المسجد حتي يحميني من اعتقالات سبتمبر 1981حدث أن اختلفت ذات يوم مع أبي، فما كان مني إلا أن تركت البيت يوماً كاملاً، واتجهت إلي مسجد المرسي أبو العباس، ونمت فيه هذه الليلة ووقتها كانت الجوامع الكبيرة تفتح أبوابها صباح مساء، قبل أن يتبدل الحال وتصبح للمساجد مواعيد تفتح فيها وتغلق أبوابها بعد الصدامات المسلحة التي شهدتها مصر خلال الثمانينيات والتسعينيات، كانت هذه أول مرة في حياتي أنام خارج منزل أسرتي، ورغم شعوري بجو الخشوع والإيمان أثناء وجودي في المسجد فإنني كنت أتألم كلما أتذكر أن أسرتي تعيش في قلق خشية تعرضي لسوء، علمت أنهم فتشوا عني في أقسام الشرطة والمستشفيات وفي كل مكان، ورأيت أحدهم في نفس المسجد الذي كنت أختبئ فيه ولم أذهب إليه، إنها أول محنة حقيقية تتعرض لها الأسرة المترابطة المتماسكة، فلم يكن من طبع الأسرة أن يتغيب أحد أفرادها عن البيت بعد الساعة العاشرة مساء.. هكذا تعودنا .
وبعد عودتي للبيت في اليوم التالي اتجهت إلي الصلاة وحضور مجالس العلم في أحد المساجد الصغيرة القريبة من منزلنا، وتبعني في هذا المسلك أخي الأصغر هشام، واللافت أن مجموعة من الشباب الملتحي هم الذين كانوا يتولون أمور المسجد وأطلقوا علي المسجد اسم (مسجد الفردوس).. التزمنا معهم أنا وأخي وبدأت أطلق لحيتي فترة من الوقت ثم أحلقها أو أقصرها، لم يكن التزاماً كاملاً، كان ذلك في أواخر السبعينيات، ووقتهاً كنت أدرس في المرحلة الثانوية العامة في إحدي المدارس الثانوية التابعة للكنيسة ، وحدث أن رشحت نفسي لانتخابات اتحاد طلاب الفصل وفزت بمنصب رئيس اتحاد طلاب المدرسة، إلا أن إدارة المدرسة خيرتني بين البقاء في المنصب وتمثيل المدرسة، وبين حلق اللحية ، فاخترت عدم حلق اللحية من باب العناد لإدارة المدرسة، وقدمت استقالتي من منصب رئيس اتحاد الطلبة، وانتقلت لمدرسة المشير أحمد بدوي القريبة من بيتي.
ثم جاءت قرارات سبتمبر الشهيرة عام 1981 وشنت الأجهزة الأمنية حملة شرسة ضد جميع التيارات السياسية وألقي القبض علي مئات الشباب من مختلف المحافظات المصرية، وحدثت وقتها قصة مازالت أذكرها، كنت عائداً من جنازة أحد جيران الحي وكنت ملتحياً، وإذا برجل كبير في السن علي وشك الموت، يشير بيده نحوي ويرفع صوته قائلاً: (أهو واحد سني فين البوليس يقبض عليه)، فخاف والدي علي (أنا وأخي) وأجبرنا علي حلق اللحية، ولم يكتف بذلك، بل كان يغلق علينا باب الشقة ليلاً ويأخذ المفتاح في غرفته حتي يمنعنا من الذهاب إلي صلاة الفجر في مسجد الفردوس، وبالفعل حدث ما توقعه أبي، فلم تمر عدة أيام إلا وجاءت عربات الأمن أثناء أداء الإخوة صلاة الفجر وألقت القبض علي كل الشباب المُتواجد في المسجد، وصدرت قرارات باعتقالهم وتم ترحيلهم الي احد السجون بمدينة بورسعيد وللاسف فإن بعض أولياء أمور الشباب المعتقل في الحي الذي نسكن فيه بدأوا يرددون شائعات مضمونها أن والدي كان علي اتصال بأجهزة الأمن التي أخبرته بوقت حملة الاعتقال، ودللوا علي كلامهم بعدم اعتقالي أنا وأخي مع أولادهم، وقد حز ذلك في نفسي كثيراً، إذ كيف يتم اتهامنا بهذه التهمة الشنيعة؟ .
سارت الأحداث وقُتل السادات في أكتوبر برصاصات خالد الإسلامبولي ورفاقه، وأصدر الرئيس الجديد حسني مبارك قرارات بالإفراج عن المعتقلين السياسيين ومن بينهم الإسلاميون، وقابلت الأخ المسئول عن المسجد بعد الإفراج عنه وأخبرته بما قيل عني وعن أخي، فضحك وطلب مني ألا أعير انتباهاً لهذه الشائعات، وأكد لي أن الإخوة جميعاً يثقون فينا، لكن علي الرغم من ذلك بدأ التزامي يقل شيئاً فشيئاً إلي أن تلاشي تماما، وبدأت من جديد التفكير في حلم السفر لأوروبا والدراسة هناك، وكرهت البقاء بمصر والدراسة وكل شيء، لكن هذا الحال لم يستمر طويلاً، إذ عدت للمسجد وللإخوة من جديد لكن بحيوية ونشاط والتزام أكبر وأقوي من ذي قبل، وكانت الجماعة الإسلامية في ذلك الوقت تغرس أول نواة لها في الإسكندرية، وبدأ أعضاؤها ينشطون في الدعوة لها في كل المساجد بصورة سرية، ومن ضمن المساجد التي نشطت فيها الجماعة الإسلامية كان مسجد الفردوس التابع للدعوة السلفية بالإسكندرية، وكنت في ذلك الوقت أدرس بكلية الحقوق، وحدث أن تقرب مني أحد الإخوة الساكنين في الحي الذي أسكن فيه واسمه عبدالناصر، وبدأ يتكلم معي عن أحوال المسلمين في العالم، وما ينبغي علي المسلمين القيام به لعودة الخلافة الإسلامية من جديد، ثم أعطاني كتاباً وطلب مني أن أقرأه جيداً، كان الكتاب يحمل عنواناً مثيراً (ميثاق العمل الإسلامي) كان يشبه إلي حد كبير نفس عناوين كتب التنظيمات الناصرية، لم أكن أعرف شيئاً عن هذا الأخ ولا فكره، وكنت قد قرأت كثيراً من الكتابات الفكرية للإخوان، وحضرت بعض دروسهم التي كان يلقيها وجدي غنيم، والشيخ أحمد المحلاوي وكثير من دعاة الإخوان بالإسكندرية ووعدني الأخ أن نلتقي بعد فترة حتي نتناقش حول الكتاب، وبالفعل حضر الأخ في الموعد وأخذ مني الكتاب وناقشني فيه، وأخبرني صراحة أنه ينتمي للجماعة الإسلامية، ثم طلب مني أن أصاحبه لحضور درس ديني يلقيه أحد المشايخ في أحد المساجد الصغيرة بالإسكندرية، ذهبت معه كنوع من المغامرة، وفي الطريق بدأ يعطيني بعض التعليمات الأمنية، لاتذكر اسمك لأحد وعليك اتخاذ اسم حركي، إذا وجدت الأمن في المسجد فعليك بالهروب بسرعة ولا تسأل عن أحد، وأشياء أخري كثيرة أثارت في نفسي الهواجس، حدثت نفسي وتساءلت: هل تغير الإسلام الذي تعلمته من مشايخ الدعوة السلفية؟ لم يمهلني الطريق الفترة الكافية للإجابة عن السؤال فقد وصلنا إلي المسجد، وكان اسمه مسجد «رب عمر» ويقع في منطقة تسمي الضاهرية بباكوس كنا يوم الثلاثاء علي ما أظن.. انتهينا من صلاة المغرب ثم وضعوا لنا طعاماً بسيطاً مكونا من قليل من الفول والفلافل وأطعمة أخري بسيطة، أكلنا ثم أعطي الشيخ الدرس، وبعد انتهاء الدرس قدمني الأخ للشيخ وتعرف علي وعرفني بنفسه: أخوك في الله أحمد عبدالله، وتعرفت علي بعض الإخوة كذلك، وحضرت مرة ثانية في الأسبوع التالي، وطلب مني عبدالناصر أن أخطب الجمعة في هذا المسجد (مسجد رب عمر) بناء علي طلب من الشيخ أحمد عبدالله ، فرفضت في بداية الأمر، ولكنه ألح علي واستطاع أن يقنعني بعد أن أكد لي أن خطيب المسجد غير متواجد هذا الأسبوع، ولكن تبين لي بعد ذلك أن الأخ كان كاذبا فالأمر كان يتعلق بالتدابير الأمنية، وعرفت أن الأخ أراد أن يضحي بي من أجل الحفاظ علي سلامة الشيخ من الاعتقال، وبالفعل ذهبت للمسجد يوم الجمعة برفقة أحد الإخوة وخطبت الجمعة وحدث ما لم أكن أتخيله حيث تم القبض علي بعد خروجي من المسجد مباشرة .
خطبة الجمعة التي أدخلتني السجن
مازلت أتذكر خطبة الجمعة التي دخلت بسببها المعتقل لأول مرة، تحدثت يومها عن الحياة الدنيا وأكدت أنها دار ابتلاء وليست بدار بقاء، وعلي المسلم ألا يركن لها، إذ إن هناك حياة أخري خالدة باقية بلا نصب ولا مرض، مرت الخطبة الأولي أو الجزء الأول من الخطبة بسلام.. كانت الخطبة مجرد رقائق وزهد، ثم جلست للحظات وقت الاستراحة لم أفكر خلالها في أي شيء، لكني فجأة وجدت نفسي أتحدث في الخطبة الثانية عن الأوضاع في مصر.. كانت الجماعة الإسلامية بالقاهرة دخلت في صدامات مع الأمن علي خلفية أحداث إمبابة وعين شمس والزاوية فتحدثت في الخطبة عن اقتحام الأمن لمساجد الجماعة الإسلامية وإطلاق الغازات المسيلة للدموع والطلقات المطاطية علي المصلين في القاهرة، وأكدت أن الإسلاميين يتعرضون لأبشع أنواع التعذيب داخل السجون والمعتقلات واختتمت الخطبة بالدعاء علي النظام والدعاء للمعتقلين وصليت بالناس، وبعد خروجي من المسجد فوجئت بسيارة ملاكي تقف علي بعد خطوات وما هي إلا دقائق ووجدت عدة أشخاص ينزلون من السيارة ويركضون نحوي، فوجدت مرافقي يطلب مني أن أجري، فجريت بسرعة ولكن للأسف لم تكن السرعة المطلوبة للهروب من الراكضين خلفي، حيث كنت أرتدي الجلباب فاستطاعوا أن يصلوا إلي ويلقوا القبض علي أدخلوني السيارة الملاكي وضربوني داخلها ضرباً شديداً في كل أنحاء جسمي، واتجهت السيارة إلي مبني أمن الدولة بالإسكندرية، والذي كان معروفا بين أبناء الحركة الإسلامية باسم مبني الفراعنة، وفي أحد المكاتب بدأوا يضربونني بشدة ويحققون معي بعد أن أخذوا بطاقتي الشخصية.
كان يحقق معي شخصان رأيتهما يركضان مع الراكضين خلفي أثناء محاولتي الهروب بعد خروجي من المسجد، وبدأت الأسئلة تنهمر علي، سألوني عن كل شيء، وأتذكر أن أحد القيادات الأمنية البارزة في مبني الفراعنة قد حضر التحقيق و كان اسمه الحركي «تعلب» وقد علمت مؤخرا أنه أحيل إلي المعاش.. المهم أنني أكدت لهم عدم انتمائي لاي جماعة إسلامية، وأنني حضرت إلي هذا المسجد مرتين فقط، وكنت علي يقين من أنهم يعلمون صحة كلامي فهم يراقبون المسجد مراقبة تامة، ويعرفون أفراد الجماعة الإسلامية في الإسكندرية فردا فردا، وكنت بالنسبة لهم وجهاً جديداً غير مألوف.بعد ذلك نقلوني لقسم شرطة باب شرق، ولم يضعوني في غرفة الحجز، وانما في غرفة قريبة من الباب الخارجي للقسم، سمحت لي أن أشاهد من خلالها كل من يدخل ويخرج من القسم، ويشاهدني كذلك كل من يدخل القسم، وحدث أن دخلت فتاتان إحداهما منتقبة فرأتني، وأشرت إليها بالمجيء، فحضرت وأعطيتها رقم هاتف منزل أسرتي، وطلبت منها أن تخبرهم أن البوليس ألقي القبض علي وأنني في قسم شرطة باب شرق، وبكت الفتاة وسألتني: "هل تحتاج أي طعام أو أي شيء ؟" فشكرتها، وسألتها عن سبب مجيئها إلي هذا المكان فأخبرتني أنها حضرت مع صديقتها لزيارة أخيها المحبوس في القسم وذهبت الفتاة وحمدت الله تعالي علي كرمه ولطفه بي وتسخيره هذه الفتاة المنتقبة في هذا الوقت وذلك المكان، وبالفعل عرف أهلي ما حدث، وبدأوا في إجراء إتصالات ببعض الشخصيات المهمة في الاسكندرية في محاولة منهم للإفراج عني، لكن قرار اعتقالي كان قد صدر بالفعل.
بعد المغرب أنزلوني غرفة الحجز وكانت بلا إضاءة، وكنت أسمع أصواتاً عديدة داخل هذه الغرفة وأرجح أن الصوت كان لامرأة تتكلم مع رجل، ويبدو من خلال الحديث أنها عائلة واحدة، وعندما اقتربت الساعة من الثانية عشرة مساء حضر أحد الحراس ونادي علي، وأخذني ثم أمرني أن أصعد إلي سيارة بوليس ثم توجهت السيارة إلي مكان لا أعرفه حيث كنت مغمي العينين ومُقيد اليدين وبعد أن توقفت السيارة جردوني من ثيابي بالكامل كما ولدتني أمي، وربطوني في كرسي خشبي، وبدأوا يصعقون كل جسدي بالكهرباء، وكانت هذه أول مرة أتعرض فيها للتعذيب، ورغم أنني كنت مغمي العينين إلا أنني عرفت أن الضابط الذي يتولي تعذيبي هو أحد الشخصين اللذين كانا يركضان خلفي عقب خروجي من المسجد وأحد الذين حققوا معي في مبني الفراعنة بعد القبض علي مباشرة.. عرفته من لدغة شديدة في لسانه، كان يقول لي أثناء التعذيب: أنت تتكلم الآن مع ملك الموت، ويسبني ويشتمني ويشتم أهلي بألفاظ قذرة، ومن العجب العُجاب أنني التقيت هذا الجلاد بعد مرور أكثر من أربعة عشر عاماُ، حيث استقبلني في مبني أمن الدولة بمدينة نصر بالقاهرة بعد اختطافي من إيطاليا، وعذبني تعذيباً شديداً بيديه حيث إنني أعتبره المسئول الأول عن فقداني حاسة السمع، ووفقا للمعلومات المتوفرة لدي فإن هذا الضابط يشغل الآن مركزاً مهماً في جهاز أمن الدولة بالقاهرة، ويطلقون عليه الإمبراطور، أو الرجل الأحمر لوجود حُمرة في بشرته، واسمه الحركي (اللواء أحمد شعبان).
وبعد انتهاء حفلة تعذيبي ألبسوني ثيابي وأركبوني سيارة بوكس كبيرة، وأخذوني إلي سجن استقبال طرة بالقاهرة، ووضعوني في غرفة انفرادية في الدور الأرضي ولم يكن معي شيء باستثناء الملابس التي أرتديها السجنكان السجن مكتظاً بالإسلاميين وقد لاحظت ذلك من خلال الأناشيد والهتافات الإسلامية التي سمعتها تتردد من كل النواحي فور وصولي إلي السجن، وبعد فترة قليلة بدأ بعض الإخوة في الطوابق العلوية ينادون علي ويسألونني عن اسمي واسم محافظتي، ثم حضر عندي في الزنزانة واحد من الإخوة المقيمين في الزنازين المجاورة، ومعه شاويش العنبر وأعطاني بعض الكراتين الورقية لأضعها تحتي وبطانية لأتغطي بها، واعتذر لي عن عدم وجود بطاطين كافية لكثرة الإخوة في السجن الذين كانوا خليطا من كل أطياف الجماعات الإسلامية.. «إخوان.. جماعة إسلامية.. جهاد.. تكفيروهجرة.. حزب الله» بالإسكندرية، بالإضافة إلي مجموعات من القطبيين والسلفيين وجماعات أخري غير معروفة، ونظرا لأن أفراد الجماعة الإسلامية كانوا يشكلون العدد الأكبر من المعتقلين فإن إدارة السجن سمحت لهم بتولي أمور المعتقلين داخل العنابر.
وأود أن أشير إلي أن أحوال سجن استقبال طرة في ذلك الوقت كانت طيبة للغاية، حيث كان مسموحا بالزيارات ولم تكن وطأة التعذيب والتنكيل قد اشتدت مثلما حدث في فترة التسعينيات والتي تعد بحق أسوأ فترة في تاريخ السجون المصرية..
ويمكن أن أعطي للقارئ صورة تفصيلية عن سجن استقبال طرة في هذه الفترة علي النحو التالي:
أولاً : كان السجن يتكون من عنبرين فقط وهما عنبر (أ) الخاص بإخوة وجه بحري والقاهرة، وعنبر (ب) الخاص بإخوة الصعيد، وكان العنبر يتكون من خمسة طوابق، وكل طابق يحتوي علي أكثر من عشرين زنزانة، يقابلها في الجهة الأخري من نفس الطابق زنازين مثلها في العدد والحجم، وكان معتقلو الجماعات الإسلامية بتنويعاتها المختلفة يشغلون الطابق الأرضي وأول ثلاثة طوابق، بينما يشغل المساجين الجنائيون الطابقين الأخيرين أي الرابع والخامس، وكان معظمهم من المحكوم عليهم في قضايا الهروب من الخدمة العسكرية، وحرصت إدارة السجن علي أن توكل إليهم أعمال النظافة، وكل ما يتعلق بأعمال السُخرة في السجن، ولم يكن الإخوة يعملون قط.
ثانيا: بالنسبة للجنائيين المتواجدين معنا في العنابر فمعظمهم لم يكن يصلي ويصوم، وكنا نسمع بالليل أصواتهم داخل الزنازين يسبون ويلعنون ويتشاجرون، بل وصل الأمر ببعضهم إلي أن ينادي بأعلي صوته: ( عنبر كله يسمع، الليلة فرح فلان علي فلان) إذ كان بعضهم يمارس فاحشة اللواط وبعلم إدارة السجن.
ثالثا: أما الإسلاميون فكانوا جميعا معتقلين دون أن تصدر ضدهم أحكام قضائية، وكانت الزنازين مكتظة بالإخوة من جميع المحافظات، وخاصة القاهرة بسبب أحداث إمبابة والزاوية وعين شمس كما ذكرت، وكانت إدارة السجن تسمح للإخوة بالتريض نصف ساعة يومياً داخل العنبر، ولكن ليس بصورة جماعية في العنبر، بل يتم فتح عدة زنازين نصف ساعة، ثم تغلق الزنازين بعد مرور نصف الساعة، وتُفتح زنازين أخري، وهكذا.
رابعا: بالنسبة لزيارة أسر المعتقلين فإن إدارة السجن في ذلك الوقت كانت تسمح بالزيارات العائلية للمعتقل بعد مرور شهر علي بقائه في السجن، بشرط ألا تزيد مدة الزيارة علي نصف ساعة وكنا نُسميها زيارة بطانية، حيث يفترش المعتقل مع أسرته بطانية ميري أو بطانية السجن ويجلس عليها مع أسرته وجهاً لوجه بدون أسلاك، بينما كان يسمح للبعض بزيارة «طبلية» وهي التي يقوم فيها أهل المعتقل بتسليم طعام من خارج بوابة السجن إلي إدارة السجن أو بعض أهالي المعتقلين المسموح بغرض توصيله لذويهم داخل السجن، وسمعت عن زيارة بعض الإخوة لأقربائهم تتم في مكتب أمن الدولة أو المأمور ونائبه، وكانت قيادات الجماعة الإسلامية في السجن تتولي تسكين الإخوة، وتنظيم الزيارات وتشترط الحصول علي جزء من الأطعمة القادمة من زيارة الإخوة لتوزعها علي جميع الإخوة الموجودين في السجن.
























